المصدر : مؤسسة الفكر العربي
تميّز الحراك الشبابي الواسع الذي تشهده المجتمعات العربية، بغلبة عنصر الشباب فيها، فما هو سرّ هذه الغلبة وما هي مظاهر تلك الحركة ودوافعها العميقة؟
ثمة مشكلة ناشئة عمّا بات يُعرَف بـ”انفجار النسل التعليمي”، إذ زاد عدد الشباب المتعلّم في مختلف البلدان العربية عن حجم فرص العمل المتاحة له في سوق العمل العربي. ولئن كانت هذه الزيادة أمراً طبيعياً ومؤشّراً على تطوّر التعليم، فإنها تغدو مشكلة على صعيد التنمية الاجتماعية/ الاقتصادية المتوازنة حينما تخلق خللاً بين تطوّر التعليم وفرص العمل في بلد من البلدان تبعاً لنموّ الحالة الاقتصادية العامة في البلد المعني. هذا التوازن تحرص البلدان المتقدمة على مراعاته بالتشاور بين المسؤولين في قطاعات التعليم على اختلاف أنواعها وبين المسؤولين والخبراء في قطاعات النموّ الاقتصادي على اختلاف مستوياته، بحيث يتمّ التخطيط لتعزيز هذا القطاع أو ذاك من قطاعات التعليم وتطوير أساليبه التعليمية وفقاً للحاجات التي تقتضيها التنمية في هذا أو ذاك من قطاعات النهضة الاقتصادية العامة، فينشأ عن ذلك نهوض عام ومتوازن في مرافق المجتمع المختلفة.
جوهر المشكلة ناشئ لا عن تخلّف تقنيات مناهج التعليم وأساليبه بقدر ما هو ناجمٌ عن عجزها عن مواكبة متطلّبات سوق العمل؛ فبرامج التعليم في البلدان العربية لا تتوخى عند وضعها تلبية الاحتياجات العملية لتقدّم المجتمع ونموّه من خلال دراسة شبكة العلاقات الاقتصادية وتطابقها مع الشبكة التعليمية والاجتماعية، بل تتوخى الحاجات التثقيفية بقطع النظر عن صلة ذلك التثقيف بالتطلّعات الاقتصادية، التي غالباً ما تكون على قدم الموازاة مع تقدّم مقتضيات العولمة وما تستتبعه من تقدّم علمي ونموّ اقتصادي. حتى أن الجامعات تقبل أعداداً من الطلبة في فروعها التعليمية المختلفة بأكثر بكثير ممّا تحتاج إليه سوق العمل من خريجي تلك الفروع، والتعليم التثقيفي في العالم العربي غالباً ما يكون تثقيفياً أيديولوجياً ينصرف إلى أغراض لا صلة لها في العمق بتقدّم المجتمع بالتناغم بين جوانبه الاجتماعية والاقتصادية والتعليمية كافة، بل تتصل مباشرة بخدمة أغراض ضيّقة لا تهمّ إلا فئة حاكمة أو أقلية مسيطرة أو نخبة لا تهتمّ إلا بمصالحها الخاصة.
في “تقرير التنمية الإنسانية العربية” للعام 2009 الصادر عن برنامج الأمم المتّحدة الإنمائي أن معدّل نسبة البطالة في البلدان العربية بلغ 14,4% في العام 2005 في مقابل 6,3% على الصعيد العالمي للعام نفسه. ولئن كان المعدّل العام لنسبة البطالة في البلدان العربية هو 14,4% من جملة القوى العاملة، وهو متوسط تلك النسبة الشديدة التفاوت بين بلد عربي وآخر، فهي 2% في الكويت وقطر و22% في موريتانيا، فإن البطالة في أوساط الشباب تمثل في كلّ الأحوال تحدّياً جادّاً مشتركاً لمعظم الدول العربية. وتُفيد بيانات “منظمة العمل العربية” أن “العدد الأكبر من فرص العمل والوظائف المطلوبة هو لاستيعاب الشباب الداخلين إلى سوق العمل والذين سيواجهون مستقبلاً قاتماً إن لم يتوافر لهم مجال عمل. كما تُفيد تقديرات المنظمة للعام 2005- 2006 أن معدّلات البطالة بين الشباب بلغت حدَّها الأعلى في الجزائر (46%) والأدنى في الإمارات العربية المتحدة (6,3%) وتتوزّع معدلات البطالة بين الشباب في البلدان العربية على النحو التالي: المغرب16%، قطر17%، سوريا20%، عُمان20%، لبنان21%، البحرين21%، الكويت23%، مصر26%، السعودية26%، تونس27%، اليمن29%، جيبوتي38%، الأردن39%، السودان41%، موريتانيا44%.
نشأ عن تلك الأوضاع حالة من اليأس تفشّى بين الشباب العربي فصارت الهجرة باب خلاص واسعاً تدلف منه شرائح عريضة من الشباب العربي المتعلّم، وبات هناك استسلام لمصير تقرّره الأقدار لدى فئات أخرى، على ما في ذلك الاستسلام من مخاطر الانحراف والجنوح بأشكالهما المختلفة.
غير أن أبواب الهجرة التي عادت فضاقت من جديد أمام الشباب العربي المتعلّم وغير المتعلّم بعدما أغلقت البلدان الأوروبية سبُل الهجرة إليها بموجب التشريعات الجديدة التي استحدثها الاتّحاد الأوروبي جعلت مشكلة البطالة في البلدان العربية أكثر وطأةً ودفعت ببعض الشباب العربي إلى البحث عن مخرج لأزماتهم، تارةً عبر الجنوح إلى المخدّرات، وطوراً عبر الانتحار الذي بات ظاهرة يتزايد انتشارها في المجتمعات العربية المأزومة.
في دراسة قام بها الباحث عادل غاسق، وهو باحث في ميدان العلوم النفسانية الفردية والاجتماعية، نشرها على الإنترنت موقع “نبأ نيوز” (http://www.nabanews.net) تحت عنوان: “لماذا ارتفعت نسبة الانتحار في العالم العربي” في 14 أكتوبر/ تشرين الأول 2009 يورد تقريراً صادراً عن منظمة الصحة العالمية في الأمم المتحدة يُشير إلى أن مليون شخص ينتحرون سنوياً في العالم ثم ينتقل إلى تحليل هذا الرقم ويفصّل فئات المنتحرين ويفنّد الأسباب التي تدعوهم إلى ذلك فيقول:
“إن الانتحار هو السبب الذي يحتل المرتبة العاشرة بين أسباب الموت، لكنه يحتل المرتبة الثالثة بين أسباب موت الأفراد الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و44 عاماً. ولئن كانت نسبة الذين يقضون انتحاراً هي في البلدان الأوروبية أعلى منها في البلدان العربية، فإن تقرير منظمة الصحة يُشير إلى ارتفاع تلك النسبة خلال السنوات الأخيرة في البلدان العربية. ففي الأردن هناك 40 حالة انتحار و400 محاولة انتحار سنوياً وفي المغرب يعاني 3 ملايين مغربي من الاكتئاب وفصام الشخصية ويتمنون الموت.
وفي مصر تشير الأرقام إلى ما بين 750 و1200 حادثة انتحار تقع كلّ عام نسبتها العظمى من الشباب، وفي اليمن بلغت حالات ومحاولات الانتحار 825 حالة، بينها 655 حالة انتحار في العام 2002، وفي الجزائر وصل العدد الإجمالي في العام 2008 إلى 33 حالة انتحار و48 محاولة وفق إحصاءات للشرطة الجزائرية، معظمهم من الذكور الذين يعانون من البطالة أو من أمراض عقلية، وفي تونس، وبحسب دراسة أجراها ثلاثة أطباء نفسانيّين تونسيّين، ارتفعت نسب الانتحار، وقدّر عدد محاولات الانتحار سنوياً بواحد في الألف، أي حوالى عشرة آلاف تونسي يحاولون الانتحار كلّ عام..”
حينما تتجاوز البطالة في أيّ بلد أوروبي نسبة 10% من مجموع القوى العاملة فيه يكون ذلك نذيراً بتحرّك اجتماعي غاضب ضد المسؤولين عن تفاقم الوضع إلى حدّ يتّخذ شكل تظاهرات وإضرابات ويتسبّب بزعزعة استقرار المجتمع. فلا عجب إذاً أن تكون حركة الاحتجاج العارمة التي اجتاحت تونس منطقية لأن البطالة تجاوزت فيها 23% العام 2009 وبلغت نسبة بطالة أصحاب الكفاءات العلمية نحو 27% من مجموع العاطلين عن العمل.
ربما كان للبطالة المتفشية بين صفوف الشباب المصري (والعربي بعامة) جانب إيجابي واحد فوق سلبياته الكثيرة وهو إقبال الشباب على استغلال لغة الكومبيوتر إلى أقصى حدّ في اتجاه التحريض على المسؤولين عن الأوضاع القائمة والتنسيق في ما بينهم عبر الإنترنت والفيسبوك للتشاور حول أشكال التظاهر وأساليب الاحتجاج. ففي تقرير منظمة “إسكوا” (ESCWA) السنوي (العام 2009) أن عدد مستخدمي الإنترنت في العالم العربي نما بنسبة 113% بين العامين 2005 و 2008 وكان نصيب مصر وحدها 16% منها.












